بقلم : د.بلقاسم بلعرج
من الحكم العربية : التاريخ أعمار لا يدركها الفناء(1).
والمطلع على التاريخ إنسان يعيش من بداية العالم(2) ولو لا التاريخ لجهلت الأنساب ونسيت الأحساب, ولم يعلم الإنسان أن أصله من تراب, ولولاه كذلك لماتت الدول بموت زعمائها وغاب عن الآخر حال قدمائها, ولمكان العناية بالتاريخ لم يخلُ منه كتاب من كتب الله المنزلة(3). التاريخ إذا هو الرابط بين الماضي والمستقبل, وبين الآنف والمستأنف(4). ومن لا يعتز بماضي أمته لا يصلح أن يرعى حاضرها(5).
وإذا نظرنا إلى الشمال الإفريقي وجدنا له مسارًا تاريخيا طويلا يمتد على مدى آلاف السنين, ولسنا هنا بصدد السرد التاريخي وتحقيقه بالنسبة إلى الأمم التي مرت على هذه المناطق, وإنما نشير فقط إلى أنه من بين هذه الأمم : الفينيقيون والرومان والوندال والبيزنطيون والعرب والأسبان والأتراك والفرنسيون. وقد ترك كل بصامته وآثاره في هذه البلاد لتكون عبرة لمن يعتبر.
ولا شك في أنه ما من عهد إلا وقيّض الله له كاتبا يبحث عن ظواهـره وخاصياته يقيدها لنا بتفصيل ويخبرنا عنها بتحقيق(6). فظهر ما اصطلح عليه بالرحالة والجغرافيين والمؤرخين من عرب وعجم. وقد قيل قديما : « ولد الإنسان راحلا ». وهو قول يصدق على المسلمين أيام عزّهم أكثر مما يصدق على غيرهم. سبب ذلك : اتساعُ مملكتهم, وتطور أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية, وشغفهم بالحل والترحال, وحبهم للمعرفة والاطلاع والمغامرة والاغتراب. فكانت رحلاتهم إما لطلب العلم وإما للاستطلاع وإما للسفارة وإما للحج(7).
وقد اشتهر من بينهم مشارقة ومغاربة, منهم من اتجه ضمن المواكب والقوافل, ومنهم من اتجه ضمن المراكب والأساطيل(8). فجابوا الأرض طولا وعرضا متحدين الأهوال والمخاطر « وسجلوا ما وقع تحت أعينهم, وما لفت أنظارهم, وما أثار فضولهم وانطباعاتهم, فوصفوا البلاد وصوروا العباد وتفانوا في جمع المعلومات الجغرافية والتاريخية والحضارية فاستفادوا وأفادوا »(9).
فهم بهذا يعكسون لنا صورة صادقة لما رأوه ونزلوا به من مدن وغيرها(10). وتجدر الإشارة إلى أن الوصف يعود في أساسه إلى قسمين :
1- وصف الأشياء كالأمكنة والحوادث ومناظر الطبيعة.
2- وصف الأشخاص, ويكون بوصف الصورة أو الطبع أو بوصفهما معا(11).
ومرتكزنا في هذه الدراسة وصف الأمكنة, لكن من دون إغفال الإشارة إلى بعض الحوادث التي هي من صنع الإنسان, وما صاحب ذلك من بعض الصور والطبائع – إذا اقتضت الضرورة ذلك – وما دامت الدراسة خاصة بالرحلة وبالمكان فقد اخترنا المدينة بوصفها قرارًا تتخذه الأمم للسكنى والسكينة والمأوى(12). وقطبا دائرًا لحركة الإنتاج والتوزيع والتبادل الثقافي والاقتصـادي, وملتقى للتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية, فهي – إذا – الخلية الأساس في حضارة كل مجتمع بشري في الماضي والحاضر(13).
وهو ما يدعونا إلى القول, أن ليس الرجال غير العاديين وحـدهم الذين يصنعون التاريخ بل المدن – بعض المدن – كذلك تؤدي هذا الدور خلال حقبة معينة من الزمن. وكما أن هناك رجالا خالدين ونساء خالدات لقيامهم أو قيامهن بأدوار بارزة تركت بصماتها على صفحات التاريخ, فهناك مدن أيضا تبرز أمام الرحالة ودارسي التاريخ والباحثين وكأنها منارات لا يملك الباحث أو الدارس إلا أن يحط رحاله في ربوعها لوقت قد يقصر أو يطول بحسب مهمته(14).
ومن المدن صانعة التاريخ (هيبون) أو بونة, أو بلد العناب, أو عنابة فهذه المدينة تقف اليوم صفحة مشرقة تروي لكل من يقرأها ويتأملها روائع أصحابها القدماء, وتحمل إليه صور الماضي البعيد, وما أقاموه شاهدًا على حضارتهم العريقة التي بلغت أوجها ذات يوم. وتحكي له مآثر أولئك القدماء الذين امتدت رقعة إمبراطوريتهم على مساحات شاسعة من العالم شرقا وغربا, وتحققت لهم الانتصارات تلو الأخرى. وتمتعت مدنهم بالأمن والازدهار والنهضة واتسمت بالفخامة والجمال في البناء ثم رحلوا عنها ولم يبقى إلا آثارهم لتكون عبرة لمن بعدهم(15).
وهو ما يفهم منه أن مدينة (بونة) عنابة أدت دورًا تاريخيا عبر العصور والأجيال(16). فهي مدينة وميناء من أهم الموانئ على ضفة البحر المتوسط في التاريخ القديم – وحتى في التاريخ المعاصر أيضا – وأسهمت في ازدهار الحضارة الفينيقية والرومانية, وزرعت وجودها العمراني والتجاري والحضاري في البحر الأبيض المتوسط. ولعله لم يكن ليحدث هذا لو لا موقع بونة الاستراتيجي على البحر ومركزها عند ملتقى خطوط المواصلات والتجارة البرية والبحرية. ومن ثم لا نعدم قول القـائل إن مـوقع المدن « ذو تأثير كبير على مصير الإنسان ورخائه ونموه الاجتماعي وتطوره الحضاري عبر القرون(...), ومن ثم على تكييف صلاته مع العالم الخارجي, وتفاعله مع مختلف الشعوب التي جاءت إلى هذه البلاد للتجارة أو للاستعمار أو لنشر المبادئ والإيديولوجية »(17). وهو ما نستخلصه من أقوال الرحالة والجغرافيين العرب والغربيين وأصافهم.
وقبل إيراد ذلك أو سرده أو التذكير بأن وصف الرحالة والجغرافيين للمدن لا يختلف كثيرًا عن وصف السائحين اليوم للمدن التي يزورونها إلا أنهم – أي القدماء – قيلا ما يذكرون عدد السكان والمساحة. وإنما كان همهم – فيما يبدو لي – تعداد أو وصف ما في تلك المدن من الحصون والجوامع والكنائس, والحمامات والشـوارع, والأسـواق والحيوانات والنتاج الزراعي والصناعي, والطبيعة المحيطة بذلك.
ومن الذين مروا على بونة أو نزلوا بها وأقاموا, أو وصفوها اعتمادًا على ما نقلوه من مـؤلفات الذين سبقوهم :
§ ابن حوقل النصيبي(18) (تـ367ﻫ) : فقد جاب هذا الرحالة (التاجر) في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) مختلف أقطار الأرض لأجل الدرس والتجارة والكسب, ومنه أقطار المغرب العربي شرقا وغربا, شمالا وجنوبا ولم تكن زيارته زيارة عابر سبيل, بل كانت مناسبة للدرس والتأمل فسجل لنا ملاحظات نعدها من أهم ما وصلنا في وصف المغرب منذ الفتح الإسلامي. وأكثر ما عني به الناحية الاقتصادية للمدن وللمناطق التي زارها, بحكم مهنة التجـارة التي كـان يمارسها(19). يقول في وصف بونة : « ومدينة بونة مدينة مقتدرة, ليست بالكبيرة ولا بالصغيرة (...) وهي على نحر البحر, ولها أسواق حسنة, وتجارة مقصودة, وأرباح متوسطة, وفيها خصب ورُخص موصوف, وفواكه وبساتين قريبة, وأكثر فواكهها من باديتها, والقمح بها والشعير في أكثر أوقاتها (...) وبها معادن من حديد كثيرة, ويحمل منها إلى الأقطار الغزير الكثير, ويزرع بها الكتان, ولها عامل قائم بنفسه, ومعه من البربر عسكر لا يزول كالرابطة, ومن تجارتها الغنم والصوف والماشية من الدواب وسائر الكـراع(20). وبها من العسل والخير والميْرِ(21) ما تزيد به على ما داناها من البلاد المجـاورة لها وأكثر سوائمهم البقر, ولهم إقليم واسـع وبادية وحـوزة بها نتاج كثير...»(22).
نلمس من خلال هذا الوصف الدقيق أن الرجل كان عالما وعارفا بروايات المتقدمين, وبخصائص الشعوب ومميزاتها, وبالمدن وطرق المواصلات والتجارة, وهو ما يؤهله لأن يكون الخبير الأول من بين الجغرافيين العرب بشؤون المغرب العربي عامة وبمدنه خاصة(23).
§ وظهر جغرافي كبير معاصر لابن حوقل في القرن الرابع الهجري وهو المقدسي(24) (تـ378ﻫ) الـذي بظهور كتابه الموسوم بعنوان « أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم » تقدمت الجغرافيا الوصفية تقدما كبيرًا في ذلك القرن, وقد وصف فيه مختلف ولايات المملكة الإسلامية التي زار أكثر مناطقها في المشرق والمغرب, وقد خص (بونة) بوصف مقتضب جدًا « وبونة بحرية مستورة بها بشر مشربهم من الآبار وبها معدن حديد »(25).
§ ثم تلاه في منتصف القـرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) جغرافي أنـدلسي له فضل كبير في تنمية الجغرافيا, وهو أبو عبيد الله البكيري (تـ487ﻫ) بكتابه « المُغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب» وما جاء فيه من معلومات تتصل بالمغرب, استقاه صاحبه من معاصريه من العلماء والمسافرين, كما استقى من الكتاب السابقين مثل: (ابن الوراق والجيهاني والمسعودي, وابن رسته) بمعنى أنه ينقصه عنصر المشاهدة الشخصية فيما كتبه عن المغرب حتى قيل: « إنه لم يتح له قط أن يجتاز مضيق جبل طارق »(26).
وعلى الرغم من هذا فالكتاب غني أظهر فيه صاحبه معرفة كبيرة بالمدن والموانئ والطرق البحرية والقبائل, وما تعلق بالجوانب التاريخية والإدارية والديبلوماسية(27). وقد وصف بونة وصفًا دقيقا وشاملا يؤكد ما سبق ذكره, يقول : «ومدينة بونة أولية, وهي مدينة أغشتين (Saint Augustin) العالم بدين النصرانية, وهي على ساحل البحر في نشز(28) من الأرض منيع مطل على مدينة سيبوس, وتسمى اليوم مدينة زاوي, وبينها وبين المدينة الحديثة نحو ثلاثة أميال, ولها مساجد وأسواق وحمام, وهي ذات ثمار وزروع وقد سورت(29) بونة الحديثة بعد الخمسين وأربعمائة, وفي بونة الحديثة بير على ضفة البحر منقور في صخر صلد يسمى بئر النثرة منها يشرب أكثر أهلها, وبغربي هذه المدينة ماء سائح يسقي بساتين وهي مستنزه حسن ويطل على بونة جبل زغوغ, وهو كثير الثلج والبرد (...) ومدينة بونة برية بحرية كثيرة اللحم واللبن والحوت والعسل, وأكثر لحومها البقر, إلا أنها يصح بها السوادن ويسقم بها البيضان, وحول بونة قبائل كثيرة من البربر مصمودة وأورْبة وغيرهما, وأكثر تجـارها أندلسيون, ومستخلص بونة غير جباية المـال, عشرون ألف دينار »(30).
§ ومن دون أن نتجاوز القرن السـادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) نقف على مصنف كبير(31) في الجغرافيا الوصفية, وهو كتاب « نزهة المشتاق في اختراق الآفـاق» للشريف الإدريسي(32) (تـ590ﻫ) الذي يقول فيه :
« ... ومدينة بونة وسطة ليست بالكبيرة ولا بالصغيرة, ومقدار رقعتها كالأُربُس(33), وهي على نحر البحر, وكانت لها أسواق حسنة, وتجارة مقصودة وأرباح موجودة, وكان فيها كثير من الخشب موجود جيّد الصفة, ولها بساتين قليلة وشجر وبها أنواع من الفواكه ما يعم أهلها, وأكثر فواكهها من باديتها (...), وبها معادن حديد جيد, ويزرع بأرضها الكتان, والعسل بها موجود ممكن, وكذلك السمن, وأكثر سوائمهم(34) البقر ولها أقاليم وأرض واسعة تغلبت العرب عليها. وافتتحت بونة على يـد أحد رجـال الملك المعظم رجَّـار(35) (Roger) في سنة ثـمان وأربعين وخمسمـائة (548ﻫ), وهي الآن في ضعف وقلة عمارة, وبها عامل من قبل الملك المعظم رجّار من آل حمّاد, وعلى مدينة بونة وبجنبيها جبل يدوغ, وهو عالي الذروة سامي القمة, وبه معادن الحديد... »(36).
§ ويطلع علينا في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) جغرافي كبير عني بهذه المسألة في مصنفه الضخم « معجم البلدان» وهو ياقوت الحموي (تـ626ﻫ) الذي لا يختلف عمن سبقوه في وصف المدينة وغيرها. ويكاد يردد ما ذكروه, و« ينقل عن غيره كـل مـا كتبه عن المغرب وإفريقيا »(37) مع بعض الاختلافات التي لا تكاد تذكر, يقول : « بونة مدينة بإفريقيا بين مرسى الخرز(38), وجزيرة مزغناي(39), وهي مدينة حصينة مقتدرة, كثيرة الرُّخص والفواكه والبساتين وأكثر فاكهتها من باديتها, وبها معدن حديد, وهي على البحر ينسب إليها جماعة منهم : أبو عبد الملك مروان بن محمد الأسدي البوني(40), فقيه مالكي من أصحاب أبي الحسن القابسي, له كتاب في شرح الموطأ, وأصله من الأندلس انتقل إلى إفريقيا, فأقام ببونة فنسب إليها, ومات قبل سنة (444ﻫ) ويطل على بونة جبل زغزوغ »(41).
§ ثم يتلوه ابن سعيد المغربي (تـ673ﻫ أو 685ﻫ) في القرن نفسه (أي السابع الهجري الثالث عشر الميلادي) بكتابه الموسـوم بعنوان « الجغرافيا » الذي أسهم به في تقدم الجغرافيا العربية, وفي تاريخ الشرق الأقصى خصوصا.
ولم يحذُ في وصف المغرب العربي والتعريف به حَذْوَ بعض من سبقـوه بالاعتماد على النقل والاقتباس, أو على روايـات التجار والمسافرين – وفي بعض الأحـوال من دون تمحيص – وترديد ما قالوه, وإنما فضل أن يقتصر على تقديم عصارة معرفته الشخصية, التي لا يُشك في دقتها وغناها وتعبيرها بصدق عن واقع القرن السابع الهجري الذي يكاد يخلو – وهو قول محقق كتاب الرحلة المغربية للعبدري(42) – من كتاب يصفون ظروف وأحواله وعمرانه وما إلى ذلك. يقول بشأن بونة : « وأول سلطنة إفريقيا على البحر مدينة بونة, وهي حيث الطول ثمان وعشرون (28) درجة, والعرض ثلاث وثلاثون (33) درجة وخمسون (50) دقيقة, ولها نهر متوسط ينصب في البحر بغربيها, وفي شرقيها مرسى الخرز المخصوص بالمرجان »(43).
ويذكر أنها مدينة جليلة عامرة خصيبة الزرع كثيرة الفواكه رخية(44). يتبين لنا من خلال هذا الوصف أن الرجل مولع ومهتم بالجغرافيا الوصفية والفلكية, محيط بالمعطيات الأساسية للجغرافيا, نحو كروية الأرض, وإحاطة الماء بها, وسرعة دورانها بين الأفلاك وطول المكان وعرضه(45)...
§ كما زارها في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) الرحالة المغربي محمد العبدري البلنسي(46) ووجدها - على حد قوله – في حالة لا تحسد عليها, فقد كانت تحت حصار مجموعة من النصارى لا يتعدى عددهم العشرين شخصا, منعوا ساكنيها من الدخول والخروج, وأسروا عددًا منهم وطـالبوا بالفداء(47), يقول :
« ثم وصلنا إلى مدينة بونة, فوجدنها بطوارق الغير مغبونة, مبسوطة البسيط, ولكنها بزحف النوائب مطوية مخبونة(48) تلاحظ من كتب فحوصا(49) ممتدة وتراعي من البحر جزره ومده. تغازلها العيون من جور النوائب وتأسى لها النفوس من الأسهم الصوائب, وقد أزعج السفر عن حلولها فلم أقض وطرًا من دخولها »(50).
§ وبعده إسماعيل أبو الفدا (تـ732ﻫ) من جغرافيي القـرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) وكتابه « تقويم البلدان » الذي أكمل به – كما يروى– النقص الذي ظهر في كتب الجغرافيا التي سبقته(51) باستثنـاء (البكـري والإدريسي وابن سعيد المغربي) الذين قدمـوا – بحسب رأيه – كل ما يستحق التقديم من ناحية الوصف والمعطيات الفلكية معا(52).
وبعد ما ينقل قول ابن سعيد في وصف بونة يضيف : «... ومدينة بونة هذه مدينة جليلة, عامرة على البحر خصبة الزرع كثيرة الفواكه رخيصة, وبظاهرها معادن الحديد, ويزرع بها كتان كثير, وحدث بها عن قريب مغاصّ المرجان, ليس كمرجان مرسى الخرز »(53).
§ ومنه نأتي إلى ابن بطوطة (تـ777ﻫ) الرحالة المعروف الذي زار بونة في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي), ومكث بها أيامًا رفقة بعض التجار, ووصفها بأنها مدينة تجارية وكثيرة المطر والثمار والزرع فهي من هذه الناحية مدينة المحاصيل إن صح هذا التعبير.
يقول :«...ورحلنا إلى أن وصلنا بونة, ونزلنا بداخلها, وأقمنا بها أياما ثم تركنا بها من كان بصحبتنا من التجار لأجل الخوف (لأن الطرق غمرتها المياه) وتجردنا للسير وواصلنا الجد(54) »(55).
§ وحظيت أيضا بزيارة القلقـشـنـدي (تـ821ﻫ) صاحب كتاب : « صبح الأعشى في صناعة الإنشاء » في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) وهو من الناحية الجغرافية يغلب عليه النقل عن الجغرافيين والكتاب السابقين وبخاصة عن البكري والإدريسي. ولا نكاد نعثر على شيء ذي بال باستثناء بعض الملاحظات التفصيلية هنا وهناك. ولا يختلف وصفه لبونة عما ذكره سابقوه, يقول : « ومنها بونة (...) وهي المسماة الآن (بلد العُنَّاب) عنابة وهي مدينة على ساحل البحر في أول الإقليم الرابع. قال ابن سعيد : (ويقصد به أبا سعيد المغربي) ثم ينقل عنه الطول والعرض, كما نقل ما اقتبسه أبو الفدا عن الإدريسي »(56).
§ وصف بونة كذلك أحد الرحالة المجهولين في كتاب له وسم بعنوان « كتاب الاستبصار » ظهر في القرن السادس الهجري (النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي), يقول : « ومدينة بونة من بناء الأول, وفيها آثار كثيرة, وهي على ربوة مشرفة على فحوصها وقراها, وهي من أنزه البلاد, وأكثرها لبنا ولحما وحوتا, والبحر يضرب في سورها, وفيها بئر على ضفة البحر منقورة في حجر صلد, ماؤه أعذب ماء وأنفقه, ومنها يشرب أكثر أهلها لعذوبة مائها, وبقرب هذه المدينة ماء سائح يسقي بساتينها وأرضا, وموضع جناتها منتزه حسن, مشرف على البحر, ويطل على مدينة بونة جبل زغوغ وهو كثير الثلج والبرد (...) وبغربي بونة بركة في دورها خمسة عشر (15) ميلا وفيها سمك كثير جليل, وفيها طائر يعرف بالكيكل وهو يعيش على وجه الماء, ويفرخ فإن أحس بحيوان أو إنسان يروم أخذه رفع عشه بفراخه برجليه حتى يصيره في وسط البركة حيث يأمن. وهو طائر حسن, وهو الذي يسمى في مصر بالخواص ويتخذ بمصر من جلده ثياب للينها وجمالها, وتباع بأثمنة غالية, ومرسى مدينة بونة يسمى مرسى مدينة الأزقاق(57), وهو من المراسي المشهورة وبونة في جُون(58) من البحر يسمى الأزقاق, وهو صعب وفيه عطب مركب القطاني ومركب الفخري ومراكب كثيرة »(59).
§ وزارها الرحـالة الحسن بن محمد الوزان الفـاسي (تـ923ﻫ) المعـروف بـ (لـيـون الإفـريقي) أي الأسـد الإفـريقي (Léon L'Africain)القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) ووصفها وصفًا دقيقا شاملا, ولم يقتصر على المباني والطبيعة بل ذكـر عدد البيوت وطباع ساكنيها وأخـلاقهم ومـا إلى ذلك...
يقول : « وبونة مدينة أولية أنشأها الرومان على نحر البحر الأبيض المتوسط على مسافة حوالي مائة وعشرين (120) ميلا شرقي قسنطينة, وكانت تسمى في التاريخ القديم (هيبو) وكان القديس أوغستين أسقفا بها وتغلب عليها الغوط ثم فتحها عثمان ثالث خليفة بعد محمد (ص) (...) وأحدثت فيما بعد مدينة أخرى تبعد عن السابقة بحوالي ميلين (2) وشيدت بحجارة المدينة القديمة, ويسمي أكثر الناس هذه المدينة الحديثة بلد العناب, لكثرة هذه الثمار في هذا الموضع, ويجفف الناس العناب ويأكلونه في الشتاء.
وتعدُ المدينة ثلاثة آلاف (3000) بيت, والسكان كثيرو الكثافة غير أن الديار الجميلة قليلة, ويوجد بالمدينة مسجد جميل مبني على نحر البحر, والرجال بها ظرفاء, منهم التجار والآخرون صناع أو نساجون وهؤلاء الأخيرون يبيعون قسطا وافرًا من أقمشتهم في مدن نوميديا(60) (...) ولا توجد عيون ماء ببونة, ولكن صهاريج مياه المطر, وترى بالجانب الشمالي من المدينة قلعة كبيرة تحيط بها جدران سميكة, وقد شيدها ملوك تونس, ويقيم العامل بالقلعة وخارج المدينة زرعت البادية على مساحة أربعين (40) ميلا طولا وخمسة وعشرين (25) ميلا عرضا, وهي أرض جيدة لزراعة القمح, تقطنها قبيلة عربية تسمى مرداس التي تفلحها وتملك القبيلة بقرًا وأغنامًا عديدة ويمير هذا البقر من الزبدة قدرًا كبيرًا حتى إن العرب عند بيعه ببونة لا يربحون من الدراهـم إلا القليل وكـذلك الأمـر بالنسبة للقمح.
وتأتي البواخر العديدة كل سنة من تونس وجربة ومن جميع الساحل وأيضا من جنوة لشراء القمح والزبدة من بونة, وكانوا يُستقبلون بطيبة قلب, ويقام السوق كل يوم جُمُعة خارج المدينة قرب السور ويستمرُ إلى المساء.
وغير بعيد عن بونة يوجد شاطئ به المرجان, وليس لأحد الحق في اصطياده في البحر أو جمعُه على الساحل لأن الملك (الحفصي) أجر هذا الشاطئ للجنويين(61) الذين طلبوا منه رخصة بناء قلعة به, لأن القراصنة أزعجوهم, ولم يرضى السكان, متعللين أنه في مرة سابقة استحوذا الجنويون على المدينة, ونهبوها باستعمالهم نفس الحيلة, وقد استرجع أحد ملوك تونس القلعة فيما بعد »(62).
§ كما مر عليها أبو الحسن علي بن محمد التمقروتي(63) (تـ1003ﻫ) في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر (السادس عشر الميلادي) وهو في طريقه بحرًا من مراكش إلى القسطنطينية (اسطامبول) وسجل انطباعاته وملاحظاته في كتاب عنوانه : « النفحة المسكية في السفارة التركية »(64), نقتبس منه بعض ما تعلق بها, يقول : » وهي مدينة وتعرف ببلد العناب لأن أكثر شجر فجوجها العناب, قال ابن عبد ربه : " ويطل على بونة جبل كثير الثلج, وفيه مسجد يصيبه شيء من ذلك الثلج وإن عم الجبل, وبونة كثيرة اللحم والحوت واللبن والعسل وأكثر لحومها البقر, ويصح بها السواد دون البياض, ومنها ترفع السفن اليوم السمن الكثير إلى قسطنطينية..."(65)
ثم يورد ما قاله الرحالة أبو البقاء خالد بن عيسى البلوي (تـ القرن الثامن الهجري, الرابع عشر الميلادي) في مصنفه الموسوم « تاج المفرق في تحلية علماء المشرق » بشأن بونة, فيقول : « قال أبو البقاء خالد في رحلته : وبونة مدينة مكينة, وقلعة حصينة شهيرة الامتناع, بائنة الارتفاع, معدومة الشبيه والنظير في القلاع, تنزهت حصانة أن ترام وتستطاع, قاعدة كبيرة ومائدة من الأرض مستديرة, سامية الأرجاء واسعة البناء, موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء. والمدينة العجيبة كالعروس في ناديها, وقد رفلت في درع وأدب, وامتنعت بحسامه المسلول من غير الأيام وعواديها, فاتخذت به من المطالب معتصما وتحلت في سواره معصمًا...»(66).
وبعد ما يصف سعة أرضها وخَصبَ سهولها وكثرة بساتينها, وتأثير ذلك في نفوس الناظرين, ينتقل إلى وصف البحر والقلعة والمرسى, يقول : «... فيا لله اتساع ظواهرها وبواديها, والحسن البادي ببحرها وبواديها, وارتفاع تلك القلعة والحصن, وما أوتي من المنعة والحسن (...) وقد قمنا بمرسى بونة يومين, وهو مرسى حصين في جُون واسع جدًّا, وزرنا في جامعها قبر الوالي الصالح أبي عبد الملك مروان بن علي بن القطان, قال القاضي عياض في رسم هذا الشيخ من المدارك, هو أندلسي الأصل سكن بونة من بلاد إفريقيا وكان من الفقهاء المتفننين, ألف في شرح الموطأ كتابًا مشهورًا, رواه عنه الناس (...) كذا قال حاتم كان رجلا فاضلا حافظا نافذًا في الفقه والحديث, أصله من قرطبة سمعنا منه تفسير الموطأ من تأليفه, ولزم الدواودي(67) وغيره. قال أبو عمران : كان صالحًا عفيفا عاقلا حسن اللسان رحمه الله. ثم سافرنا منها إلى ميناء بنزرت »(68).
وكما هو واضح من العنوان فإن بونة لم تحظ بزيارة الرحالة والجغرافيين العرب ووصفهم فحسب بل حظيت كذلك بزيارة رحالة وجغرافيين غربيين, وقد وصفوها وكتبوا عنها ملاحظاتهم, وأبدوا فيها آراءهم, وكان منهم التجار والقناصلة, ومنهم المسافرون والمغامرون, وربما حتى الجـواسيس والأسرى(69).
§ ومن هؤلاء الرحالة المؤرخ الإسباني مرمـول كـربخال (Marmol Carvajal) (1540م – 1570م) وهو محارب من جنود الإمبراطور شارل كان (Charles Quint) وجواسيسه, وقد قضى حوالي عشرين (20) سنة بالبلدان المغاربية منها سبع (7) سنوات أسيرًا. وقـد وصفها وصفًا دقيقا شامـلا ردد في بعض كـلام (ليون الإفريقي) ولسنا ندري هل زار المدينة فعلا أم أنه نقل ملاحظاته وأقواله عمن سبقوه أو عاصروه, ومما ورد عنه :
«... يسميها العرب موضع العناب لوفـرة هذه الثمار بها (...) ويسميها المسيحيون بـون (أي الحسنة) بحق لأنه أحسن وأخصب موطن في بلاد البربر, أين الهواء أصح, وهي مسورة ولها باب البحر والآخر باب القصر الذي يبعد عنها مسافة نصف رمية رمح, وهو مقام على تل يشرف على المدينة, وقد شيده ملوك تونس منذ عهد قريب لإقامة العامل والحامية »(70).
وبعد ما يذكر ما كان فيه أهلها من ثراء وما كانوا عليه من كبرياء وأنفة ينتقل إلى وصف بنايات المدينة وميناءها وتجارتها وبساتينها, يقول : « وقد أُتْقِن بناء المساكن بهذه المدينة, وبها مسجد تحاذيه مدرسة أين تدرس شريعة محمد (ص) ولا يوجد بها ولا بالقصر آبار ولا عيون بل صهاريج كبيرة تتجمع فيها مياه الأمطار الجارية من فوق سقوف المنازل, وهي سقوف على شكل سطحة يكسوها فراش من الجير والتراب والإسمنت وفي أسفل القصر نحو الجنوب, هناك بساتين جميلة, وديار نزهة ورياض عديدة, بها أشجار ذات الثمار الجميلة. ولبونة ميناء صغير محمي من الريح تَتَّجِرُ فيه البواخر بالجلد والصوف والزبدة والتمور, وسلع أخرى تَزْخَرُ بها البلاد »(71).
ثم يتعرض بالوصف لسهول المنطقة من حيث الطول والعرض والخصب ولمن كان يفلحها ويعيش بها من القبائل وللسوق التي تقام بها, ومن كان يؤمها من تجار القبائل وغيرهم من البلدان الأخرى كتونس وجربة وطرابلس وجنوة, وللشاطئ الذي كان يصطاد فيه المرجان, وهو بكل ذلك كأنه يردد كلام ليون الإفريقي.
وبعده يصف حالة المدينة إبان القرصنة, والنزاعات التي توالت على السواحل الشمالية لإفريقيا, ويختم كلامه يقول : «... ولما أخذ الإمبراطور (يقصد شارل كان) طريقه إلى إيطاليا أمر البحرية الحربية المتوجهة إلى إسبانيا أن تترك حامية ببونة عند مرورها, وكـان ذلك. وأول والٍ هو ( ألفـارغوميز زغـل ) (Alvar Gomez Zagal) (...) وبعد موت هذا الوالي أمر الإمبراطور بالتخلي عن هذا الثغر بعد قعر السور وتخريب بروج المدينة والقصر, ولكن رممت المدينة والقصرُ وبروجُها لطيبة البلاد ولما لم يستطع ملوك تونس المحافظة على هذه القاعدة استولى عليها الأتراك فعمَّروها بشرًا وحصَّنوها »(72)
§ ووصفها رحالة غربي آخر يدعى طوماس شو (Thomas Shaw) وكان قـسا بالجزائر العاصمة خـلال القـرن الثامن عشر, ومن خـلال جـولاته عبر الجزائر سجل ملاحظات وأوصافًـا في كتاب(73) صدر عنه سنة 1738م. إلا أنها لا تختلف كثيرًا عما ذكره ليون الإفريقي ومرمول كربخال, بل يورد صراحة بعض ما نقله عن ليون الإفريقي وأبي الفدا اللذين مر ذكرهما. من بين ما يقول : «... وعلى بعد ثلاثة أرباع الميل من رأس الحمراء شيد الجزائريون على قمة ربوة قلعة ترابط بها حامية من ثلاث سرايا للمشاة, وعلى المنحدر الجنوبي الشرقي لهذه الربوة شيدت مدينة بونة التي يسميها أهلها (بلد العناب) لكثرة هذا الثمر الذي يجنى في أحوازها, وكلمة بونة من الراجح أنها تحريف لكلمة (هبو) أو (هبونة) (...) ويعلمنا ليون الإفريقي أن "بلد العناب" وقع بناؤها بحجارة آثار (هيبون) وباستثناء شارعين أو ثلاثة جهزت بالحجارة على الطريق الرومانية, فليس هناك ما يمكن أن يكون إلا من عمل المسلمين, فبونة كما تبدو اليوم قائمة على موقع "الأفرود يزيوم" (Aphrodiasium Colonia) الذي ذكره بطليموس والذي وضعه على الخط 15 ثانية شمال هيبو...»(74).
ثم يذكر ما آلت إليه المدينة في زمانه, يقول : « وتظجع آثار (هيبو) القديمة على رقعة من الأرض واقعة بين هذين الواديين(75), ولا تشمل اليوم هذه الآثار إلا بعض أجزاء من الجدران أو بضعة صهاريج مندثرة على مساحة دائرتها نصف ميل, وفي جوار هذه الآثار يعرض الأهالي للعيان موضع وآثار دير القديس أوغستين الذي كان أسقف هبو(...) »(76).
ولطول النص نلخص ما بقي منه في أنه وَصَفَ موقعها بالممتاز وأنه صالح للصيد والتجارة والترفيه, ولها مرسى فسيح, كما تنعم بمناخ صحي سليم, وتحيط بها سهول خصبة واسعة تقطعها الأودية والأنهار الجارية, وتطل عليها جبال مكسوة بالأشجار, استقطبت اهتمام الملوك النوميديين فجعلوها إحدى مدنهم الملكية, بل إحدى الإقامات المفضلة لديهم(77).
§ وفي القرن التاسع عشر (أي سنة 1837م) زارها الرحالة الألماني موريس فاغنر ووصفها كذلك وصفا دقيقا, وأقام بها حوالي سبعة أشهر, وذكرها ضمن المدن التي زارها في كتابه (رحلات في ولاية الجزائر) الذي أصدره سنة 1841م.
فقد وصفها من حيث مبانيها وأحياؤها, ومن حيث سكانها وميناؤها والطبيعة المحيطة بها. فأما من حيث مبانيها وأحياؤها. فأول ما لفت انتباهه القصبة التي لاقت الويلات والمحن – مثلما أشار إلى ذلك – منذ مجيء الفرنسيين إلى الجزائر سنة 1830م, وما تحتله من موقع استراتيجي على الهضبة المطلعة على الميناء, ثم ينتقل إلى وصف المدينة من الداخل فيذكر أنها مقسمة قسمين أو إن شئت حيين:
- حي علوي يشبه إلى حد كبير حي القصبة بالجزائر العاصمة إلا أنه أقـل منه علوا وانحدارًا, ويقع على تـل أو هضبة تطل على الميناء كما يحتفظ بطابعه العربي, فـدوره تكـاد تكون كلها أرضية.
- وحي سفلي كبير يقع في السهل هيئت دوره ومبانيه على الطراز الفرنسي, وشوارعه واسعة ومضاءة, تصطف بها أشجار دائمة الخضرة مما أعطاها منظرًا جميلا يسر الناظرين.
وأما من حيث سكانها, فهم في تلك الفترة خليط من الأوروبيين (فرنسيين, وإيطاليين, وإسبان, وألمان, ومالطيين, ويونانيين) وهم الأكثر عددًا إذا ما قيسوا بغيرهم من العرب والأتراك والزنوج الذين كانوا يساكنونهم المدينة.
وأما من حيث الحياة الدينية بالمدينة فقد أشار إلى أنه لم يعد بها من المساجد ما يذكر أو يجلب الانتباه(78), ومسجدها المشهور(79), حول إلى كنيسة.
وأما من حيث ميناؤها, فقد وصفه وقارنه ببقية الموانئ التي زارها على الساحل الجزائري وتبين له أنه يأتي في المرتبة الثانية بعد ميناء مستغانم من حيث الأهمية.
وأما من حيث الطبيعة المحيطة بها فقد أعجب بمنظرها الطبيعي الجميل, جبال تكسوها الأشجار, وتلال وسهول شاسعة وبساتين ووديان جارية, كل ذلك ترك أثرًا طيبا في نفسه.
وينهي كلامه بوصف الحياة العامة في المدينة بأنها هادئة ورتيبة إلى حدٍّ ما إلا أنها أغلى – من وجهة نظره – من الحياة في العاصمة البريطانية لندن, ويرجع ذلك إلى كثرة الجنود والسواح الأجانب والمغـاربة(80).
§ وفي القرن نفسه زارها مواطنه الألماني هاينريش فون مالتسان وعندما نتصفح كتابه الموسوم بعنوان (ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا) نجده مليئا « بمعلومات تاريخية وسياسية واجتماعية وطبيعية غزيرة فما من قرية يمر بها, وما من مدينة يحل بها إلا ويقدم وصفًا لها ويسرد نبذة عن تاريخها منذ نشأتها حتى الفترة التي زارهـا فيها, ويتحدث عنها حديث العـارف المطلع على مـا كُتب عنها قديما وحديثا»(81).
وأول ما بدأ به وصفه لها, موقعها يقول : « وكانت عنابة تقع في سفح جبل إيدوغ, بمثابة جوهرة بيضاء خرجت من البحر, كانت قديما عربية, وأصبحت الآن فرنسية, وهي تطل على البحر العميق الزرقة بشرفاتها الهوائية...»(82).
ثم ينتقل إلى وصف ساكنيها ومـوانئها الثلاثة التي تعد تصلح – في رأيه – لرسوا السفن ونقل البضائع منها, يقول : «... وجدت عنابة مدينة لطيفة, يغلب عليها الطابع الأوروبي إلى حد كبير ويسكنها حوالي أثني عشر ألفا (12000) يشكل الفرنسيون أكثر من نصف سكـانها. وكـان لها ثلاثة مـوانئ, إلا أنه أيـا منها لم يكن يتوفر فيه الأمـان الذي يبرر تسميته بالمينـاء. وكـان الأول منها وهـو ميناء كـاسران (Pont des Cassarins) الواقع بين نقطة الأسد(83) ونقطة طائر اللقلق يبدو مأمونا, غير أنه لم يصلح لغير السفن الصغيرة.
والميناء الثاني : ميناء الخروب, ويقع شمال عنابة على بعد حوالي أربعة كيلومترات, عميق إلى حد كبير ولكنه كان معرضا للعواصف.
أما الميناء الثالث, وهو أفضلها جميعا, ويدعى فـور جنوا (Fort genois) فيبعد عن المدينة بسبعة كيلومترات تقريبا. ومن الصعب جدًا نقل البضائع منه إلى عنابة برًا »(84).
ثم يذكر أنه لم يجد في عنابة الحديثة في ذلك الوقت ما يحظى باهتمامه ويثير فضوله ففضل مغادرتها إلى مشاهدة آثار (هيبو) التي تبعد عن المدينة الحديثة بحوالي أربعة كيلومترات.
وقد أسهب في الحديث عن تاريخها, واشتقاق اسمها وشيوعه والمدن التي سميت باسمها في كل من إفريقيا وإسبانيا وفلسطين وأنها كانت إحدى العواصم النوميدية في القديم, وكانت محبوبة مفضلة لدى الملوك القدماء ومقرًا لإقامتهم, ثم أصبحت في عهد ماصينيصا عاصمة للولاية كلها بالتناوب مع قرطة عند توحيده للملكتي (الماصيليين والماصيصيليين) إلى أن آلت على الرومان مع شمال إفريقيا كله أيام القيصر.
وكانت التجارة بها مزدهرة جدًا, حتى أنها صارت الممون الرئيس لروما بوسائل الراحة والرفاهية, نحو : العاج, والفلين, والخشب ذي النوعية الجيدة والتوابل...
بالإضافة إلى كل هذا فقد أدت دورًا كبيرًا في تاريخ المسيحية ولعلها تعد أهم أسقفية في إفريقيا بعد أسقفية قرطاجنة فقد كانت مقرًا للقديس أغستين, ومكانًا لعدد من البنايات الدينية والكنائس وأضرحة القديسين والشهداء(85).
ويختم ملاحظاته عن المدينة القديمة, يقول : « وهدم الفندال (هيبو) تهديما كاملا, باستثناء الكنيسة الأسقفية ومنزل القديس أغوسطينوس (...) ولم أكتشف من آثار هيبو شيئا ذا قيمة : قناة تنقل مياه عيون جبل إيدوغ إلى المدينة الرومانية, أنقاض آبار كبيرة, حجارة رصيف كبير على شاطئ البحر, بقايا كنيسة سميت باسم القديس الشهير, وهذا كل ما بقي من عظمة المدينة الملكية القديمة »(86).
§ كما كانت من ضمن المدن التي تجول فيها مواطنه الأمير الرومانسي بوكلر موسكاو (Puckler Muskäu) في النصف الأول من القرن التاسع عشر (1835م) وكتب عنها ملاحظاته وأوصافه ذلك في رسالتين بعث بالأولى إلى صديقه (البارون) في 4 أبريل 1835م. وبالثانية إلى صديقه (الكونت لويس فان) برلين في 15 أبريل 1835م, وذكر أنه لم يجد في (هيبون) شيئا بقي منها في ذلك الوقت باستثناء بقايا من بنايات رسمية, وبعض الأقواس والساحات التي كانت تدل على قصور كانت موجودة, وعلى بقايا قناة مياه كانت تمتد عبر السهل, كما تحدث عن نهر سيبوس وغيره من الوديـان, وجبل إيدوغ, والنباتات والأشجـار التي كانت موجودة آنذاك.
من بين ما يقول : « إن قصبة بونة وقلعة جنوة الواقعة على رأس الحمراء, وصخرة ممتدة في البحر تسمى الأسد, وعددًا من السفن والمنازل الممتدة عبر المرتفعات وثلاثة أو أربعة صفوف من الجبال المتصاعدة بعضها فوق بعض, وخيام البدو في السهل, وأضرحة المرابطين البيضاء, كل هذه تشكل حينما تسطع عليها شمس إفريقيا العظيمة الملامح الأساسية للمناظر الإفريقية »(87).
وما بقي مما ضمنه رسالتيه لا يخرج في عمومه عن وصف مغامراته الخاصة, وخروجه إلى الصيد والنزهة, ووصف عادات الناس وتقاليدهم في المأكل والملبس والمسكن, وما إلى ذلك.
§ ولم يخف جورج مارسي (Georges Marçais) المختص في الفن المعماري الإسلامي في الفترة نفسها إعجابه بالمدينة وبطراز بناء مسجد أبى مروان الذي خصه بدارسة وافية وسمها بعنوان « جامع سيدي مروان ببونة » وفي فقرة قصيرة لخص تاريخ بونة وحضارتها عبر الأجيال والعصور, يقول : «... إن هذا المسجد كان من أفخر المباني التي احتفظت بها الجزائر من ماضيها, إذ هو عبارة عن مسجد للعبادة, ورباط للدفاع الوطني (...) وقد أمكن لهذه المدينة جمع الآثار الوثنية والمسيحية ثم الآثار الإسلامية, الدالة على إشعاع الفن الإسلامي العريق »(88).
ونشير في الأخير إلى أن المدينة كانت محطة لزيارة بعض الكتاب العالمين منهم : (بيوصال, وويلد, وويلصور) في النصف الأول من القرن الثامن عشر, والكاتب الأثري (بربر قجيير) في النصف الأول من القرن التاسع عشر, واتفق جميعهم على أنها كانت مدينة عظيمة عظمة مسجدها أبي مروان(89).
هذه – إذًا – بونة بأعين الرحالة والجغرافيين العرب والغربيين ومن خلال مؤلفاتهم وما نستخلصه من الدراسة أنه على الرغم من تباين النصوص المقتبسة من حيث دقة الوصف وشمول العرض, وصدق النقل والرواية, فهي تتفق على أن بونة :
1- عريقة عراقة التاريخ وأنها كانت عامرة دائما, لم يفارقها الإنسان منذ وجوده.
2- موسوعة تاريخية نقرأ فيها بصمات ما قبل التاريخ, والتاريخ القديم القرطاجني والنوميدي والروماني والإسلامي, وآثار الحقب الأولى من التاريخ الوسيط, وكذلك آثار التاريخ الحديث.
3- حافظت على تسميتها الأولى, هيبون, بونة, بلد العناب, عنابة, على الرغم من تعاقب الأمم والدول والحضارات.
4- حافظت على حصنها وموقعها الاستراتيجي باعتبارها منطقة اتصالات برية وبحرية بين المسلمين وغيرهم. وقلعة في العلاقات المتوسطية على ضفة بحر محفوف بمخاطر الأساطيل والقرصنة.
5- كثيرة الزروع والفواكه والثمار, عذب ماؤها, جميلة بساتينها جارية أنهارها, حصينة موانئها, نشطة رائجة تجارتها, جيد متنوع منتوجها, غمر خَيْرُهَا غَيْرَهَا فطمع في نهبها وكسبها والسيطرة عليها, فصمدت أحايين وانهارت أحيانًا. اهـ.
هوامش الدراسة :
(1) تاريخ الجزائر العام لعبد الرحمن الجيلالي, دار الثقافة, بيروت, الطبعة الرابعة, منقحة ومزيدة, 1980, 1/13.
(2) نفسه, 1/14, والقول لدافيد هيوم (فيلسوف ومؤرخ واقتصادي بريطاني).
(3) المرجع نفسه 1/13, والكلام لعز الدين بن الأثير.
(4) المرجع نفسه 1/11, والقول للأمير شكيب أرسلان.
(5) نفسه 1/12.
(6) الرحلة المغربية لمحمد العبدري البلنسي, تحقيق الأستاذ أحمد بن جدو, نشر كلية الآداب الجزائرية, مطبعة البعث قسنطينة (الجزائر) (د ت) مقدمة المحقق ص (أ).
(7) ينظر الجزائر من خلال رحلات المغاربة في العهد العثماني لمولاي بالحَميسي, الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1979, ص : 9 – 11.
(8) المرجع نفسه, الصفحة نفسها.
(9) المرجع نفسه, الصفة نفسها, وينظر الرحلة المغربية للعبدري ص (أ). والمدن المغربية لإسماعيل العربي, المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1984, ص : 7 – 9.
(10) لكن يجب ألا نفهم من هذا أن هذه الأوصاف والأقوال والروايات بمستوى واحد من حيث عمق النظرة ودقة التحليل ولمس الحقيقة. فقد كان بعض المتأخرين لينقلون عن المتقدمين (كما هي الحال في التاريخ) وما يصحب ذلك من تصحيف أو تحريف وبخاصة في الحالات التي لا نجد فيها ذكرا أو إشارة إلى المصادر والمراجع التي نقل عنها. ينظر المدن المغربية ص25.
(11) ينظر جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب لأحمد الهاشمي طبعة جديدة محققة ومنقحة بإشراف لجنة من الجامعيين, منشورات مؤسسة المعارف, بيروت (د ت) 1/326.
(12) ينظر مقدمة ابن خلدون, دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة, بيروت, 1960, ص : 617.
(13) ينظر المدن المغربية, ص : 7.
(14) ينظر مجلة الدوحة, العدد 114, جوان 1985, ص : 44.
(15) ينظر مجلة الفيصل, العدد 70, جانفي/فيفري 1983, ص : 35.
(16) هناك كتاب ألف عن عنابة وتاريخها الممتد بعنوان : من هيبون – بونة إلى عنابة. (تاريخ تأسيس قطب حضري) للدكتور سعيد دحماني, طبعة دار الهدى, عين مليلة (الجزائر), جوان 2002, يرجى العودة إليه.
(17) المدن المغربية, ص : 11 – 12.
(18) نسبة إلى نصيبين, وهو اسم بلد, فمن قال (نصيبي) فقد أجرى الكلمة مجرى الأسماء المفردة التي لا تنصرف ومن قال (نصيبيني) فقد أجراها مجرى الجمع. وهذا رأي الجوهري, أما ابن بري فالعكس عنده هو الصواب, ينظر لسان العرب لابن منظور, مادة (نصب).
(19) ينظر المدن المغربية لإسماعيل العربي, ص : 33 – 34.
(20) من معاني (الكراع) الخيل, وقيل اسم يجمع الخيل والسلاح, وقد يستعمل (الكراع) أيضا للإبل كما استعمل في ذوات الحافر. ينظر اللسان مادة (كرع).
(21) المَيْرَةُ : الطعام يمتاره الإنسان أو هو جلب الطعام ون
حقوق النسخ © بواسطة . جميع الحقوق محفوظة. إذاعة عنابة الجهوية جميع الحقوق محفوظة.